ابن تيمية

141

مجموعة الرسائل والمسائل

الأنبياء بلا واسطة فلو كان تكليمه لموسى إنما هو صوت خلقه في الهواء لكان وحي الأنبياء أفضل منه ، لأن أولئك عرفوا المعنى المقصود بلا واسطة ، وموسى إنما عرفه بواسطة ، ولهذا كان غلاة الجهمية من الاتحادية ونحوهم يدعون أن ما يحصل لهم من الإلهام أفضل مما حصل لموسى بن عمران وهذا من أعظم الكفر باتفاق المسلمين . ولما فهم السلف حقيقة مذهب هؤلاء وأنه يقتضي تعطيل الرسالة ( 1 ) فإن الرسل إنما بعثوا ليبلغوا كلام الله ، بل يقتضي تعطيل التوحيد ، فإن من لا يتكلم ولا يقوم به علم ولا حياة هو كالموات ، بل من لا تقوم به الصفات فهو عدم محض إذ ذات لا صفة لها إنما يمكن تقديرها في الذهن لا في الخارج كتقدير وجود مطلق لا يتعين ولا يتخصص . فكان قول هؤلاء مضاهياً لقول المتفلسفة الدهرية الذي يجعلون وجود الرب وجوداً مطلقاً بشرط الإطلاق لا صفة له ، وقد علم أن المطلق بشرط الإطلاق لا يوجد إلا في الذهن ، وهؤلاء الدهرية ينكرون أيضاً حقيقة تكليمه لموسى ويقولون إنما هو فيض فاض عليه من العقل الفعال ، وهكذا يقولون في الوحي إلى جميع الأنبياء وحقيقة قولهم أن القرآن قول البشر لكنه صدر عن نفس صافية شريفة ، وإذا كانت المعتزلة خيراً من هؤلاء وقد كفر السلف من يقول بقولهم فكيف هؤلاء ؟ وكلام السلف والأئمة في مثل هؤلاء لا يحصى قال حرب بن إسماعيل الكرماني : سمعت إسحاق بن راهويه يقول : بين أهل العلم اختلاف أن القرآن كلام الله وليس بمخلوق ، وكيف يكون شيء من الرب عز ذكره مخلوقاً ؟ ولو كان كما قالوا لزمهم أن يقولوا علم الله وقدرته ومشيئته مخلوقة ، فإن قالوا ذلك لزمهم أن يقولوا كان الله تبارك اسمه ولا علم ولا قدرة ولا مشيئة ، وهو الكفر المحض الواضح

--> ( 1 ) سقط جواب لما وتقديره ما يناسب المقام نحو ( كفرهم ، أو أنكروا عليهم )